حبٌّ على ضفاف النهر
في صيف عام 2019، كانت ليلى تتصفح فيسبوك بهدوء بعد يوم عملٍ مرهق. كانت تعمل مصممة جرافيك في شركة إعلانات صغيرة، وعادةً ما تنتهي أيامها بفنجان قهوة وشاشة هاتفها.
في تلك الليلة، تعليقٌ ذكي على صورة غروبٍ نشرها صديقٌ مشترك جذب انتباهها. اسم صاحب التعليق: ياسين. دخلت إلى صفحته، فأعجبتها صوره للمناظر الطبيعية — خاصةً تلك التي التقطها لنهر المدينة عند الفجر. كان يكتب تعليقاتٍ قصيرةً بلغةٍ شاعرية، لا تفتقر إلى ذكاءٍ ولا إلى تواضع.
أرسلت له طلب صداقة. قبل خلال ساعة. ثم جاءت الرسالة الأولى:
"أهلاً ليلى. لفت انتباهي أنكِ مصممة — أرى في صوركِ نظرةً فنيةً مختلفة. هل تلتقطينها بنفسكِ أيضاً؟"
كانت بدايةً بريئةً. تبادلا الصور والتعليقات. اكتشفا أن كليهما يستيقظ مبكراً، وأن كليهما يفضل النهر على المقاهي الصاخبة، وأن كليهما يقرأ الشعر القديم ويستمع إلى الموسيقى الكلاسيكية.
الفصل الثاني: الكلمات تُبنى جسراً
استمرت المحادثات لأسابيع. كان ياسين مهندساً مدنياً، يعمل في مشروع تطوير ضفاف النهر — الصدفة التي جعلت ضحكتهما تعلو عندما اكتشفاها. كان يُرسل لها صوراً من موقع العمل، وهي تُعدّله تصاميم افتراضية للمساحات الخضراء.
في ليلةٍ من ليالي نوفمبر، كتب لها:
"أحياناً أتخيل أنني أقف على الجسر وأنتِ تقفين على الضفة الأخرى. ننظر إلى الماء نفسه، لكننا لا نرى بعضنا. هل يبدو هذا جنوناً؟"
ردّت:
"الجنون أن نبقى على الضفتين."
اللقاء الأول
اتفقا على لقاءٍ حقيقيٍ في السادسة صباحاً يوم السبت — وقتٌ غريبٌ اختاره ياسين، لكنه كان يعرف أن ليلى تستيقظ مع الفجر. اختارا كورنيش النهر، قرب الجسر القديم حيث كان يجلس الصيادون.
كانت ديسمبر باردةً. ليلى وصلت قبل الموعد بعشر دقائق، معطفها الأزرق، وقبعةٌ تخفي جزءاً من وجهها. رأته من بعيد: طويلاً، يحمل كاميرته وينظر إلى ساعته.
تقدّمت. رفع بصره. ابتسم — ابتسامةً عرفتها من الصور، لكنها كانت أدفأ في الحقيقة.
"أنتِ... أطول مما توقعت."
"وأنت أقل قلقاً مما ظننت."
ضحكا. جلسا على حافة الكورنيش. أخرج ياسين فنجانين من قهوته — كان قد أحضر قهوتها بالحليب كما تحب، دون أن تخبره. سألته كيف عرف. قال: "ثلاثة أشهر من المحادثات، تكفي لمعرفة كيف تُحبين قهوتك."
تحدثا حتى ارتفع الضباب. لم يشعرا بالوقت. عندما غادرا، لم يُعِدا موعداً — كانا يعرفان أنه لن يكون الأخير.
الفصل الرابع: الضفّتان تصيران واحدة
تطورت العلاقة ببطءٍ جميل. كان ياسين يأخذها لموقع عمله، تساعده في اختيار الألوان للوحات الجدارية على الجسور. كانت تُصمم له كتيباً عن تاريخ النهر، يُهديه لبلدية المدينة.
في ربيع 2020، وبينما كان العالم يغلق أبوابه بسبب الجائحة، كان نهرهما مفتوحاً. كانا يمشيان مسافةً آمنةً، يضعان الكمامات ويتحدثان عن المستقبل. في تلك الفترة، أدركا أن الحبّ الذي يُبنى على الكلمات أولاً يكون أصلب من الذي يعتمد على اللمس فقط.
الفصل الخامس: السؤال
في ذكرى لقائهما الأول — ديسمبر 2021 — أخذها ياسين إلى نفس المكان. كان الضباب كثيفاً كما في ذلك الصباح. فجأةً، انطفأت أضواء الجسر. ظنّت أنه عطل. ثم أضاءت مئات الشموع الصغيرة على ضفتي النهر — كان قد جهّزها مع صيادٍ قديم صار صديقاً له.
"ليلى. قبل عامين، كتبتُ لكِ أنني أتخيلنا على ضفتين. اليوم، أريد أن نكون على ضفةٍ واحدة. هل تتزوجيني؟"
كانت القهوة في يده هذه المرة أيضاً. لكنها كانت مرتعشةً.
الزواج على الضفة
تزوجا في صيف 2022. لم يكونا يريدان حفلاً ضخماً. اختارا نفس الكورنيش — حيث التقيا أول مرة. كانت البلدية قد أنهت مشروع ياسين، وأصبح المكان حديقةً عامةً. تحت الجسر القديم، بين أهلٍ قليلٍ وأصدقاءٍ مختارين، قالا نعم.
اليوم، ياسين وليلى يعيشان في شقةٍ تطلّ على النهر. يستيقظان مع الفجر، يشربان قهوتهما على الشرفة، ويضحكان عندما يتذكران: "لو لم يكن فيسبوك، لكنا ما زلنا على ضفتين."
تعليقات
إرسال تعليق